السيد محمد حسين فضل الله
13
من وحي القرآن
الجدال ، فالمؤمنون ينطلقون فيه من موقع البحث عن الحق ، بينما ينطلق الكافرون فيه من موقع الاستكبار واستعراض القوة التي يفرضونها على الموقف . . فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ الذي يحاولون فيه البروز بمظهر قوي لإثارة الرهبة والخوف في نفوس الناس من خلال مواقع السلطة التي يملكونها ، أو الوسائل العنيفة التي يحركونها ، أو غير ذلك . فلا تعتبر تقلبهم في البلاد مظهر ضغط قويّ شامل ، لأنه سينتهي إلى زوال إن عاجلا أو آجلا ، بل انظر إلى ما يختزن في داخله من نقاط الضعف ، لا إلى ما يبرز في ظاهره من نقاط القوة . . فليسوا أوّل الناس الذين يتحركون بهذه الطريقة ، فقد جاءت أمم قبلهم ، كانت على شاكلتهم في الاستكبار والعناد والتكذيب ، ولكنها تبخّرت مع الزمن ، وسقطت أمام بأس اللَّه . جدالهم بالباطل لإسقاط الحقّ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ كقوم عاد وثمود ولوط وغيرهم ، كما كذب هؤلاء وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ فواجهوه بالعناد والتكذيب ، وضغطوا عليه بكل الوسائل ، وعذبوه بما استطاعوا أن يعذبوه به ، ليسقطوا موقفه ، وليضعفوا موقعه ، وليفرّقوا الناس عنه ، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فاستغلوا كل العوامل النفسية القلقة التي تعيش في وجدان الناس من حولهم ، وتتحرك في مشاعرهم ، لجهة ما يعيشونه من تقديس لعقائد الآباء والأجداد ، وما يرتبطون به من قضايا الحسّ ، وما كانوا يقترحونه من معجزات على الأنبياء الذين لا يملكون الإتيان بها إلا بإذن اللَّه ، فحكمة اللَّه لا تقتضي الاستجابة لكل مقترحات الناس التعجيزية ، لأن النبي لم